• ×
صحيفة نجد

ماذا يريد المواطن العادي !!!

صحيفة نجد

 2  0  3617
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

ماذا يريد المواطن العادي !!!



أنا المواطن العادي النكرة الذي لا تربطني علاقة بجبهة ولا حزب , ولا رقم إلاّ الرقم الوطني ........ أنا الذي باسمي تتشكّل الهيئات , وتعقد الاجتماعات وتتصارع الاتجاهات , والكلّ يدّعي تمثيلي , والدفاع عن مصالحي , والعمل من أجلي , أنا الأغلبية الصامتة المسماة بالجماهير التي لا تحسن التعبير , ولا تجيد التنظير , أتدرون ماذا أريد , وما الذي يزعجني حدّ القهر , وما الذي يعنيني وما الذي لا يعنيني ؟؟ تحدثتم باسمي كثيرا , وأصغيت طويلا , فهل تمنحوني آذانكم ساعة من زمان لتسمعوا رغائبي , وآمالي , وآلامي , ومقابلها أمنحكم ظهري مدى الدهر لتتسلقوا عليه , وأكتافي لأرفعكم عليها , أنا لم أقرأ لآدم متز , ولا لميكافيلي ولا أعرف ماركس , ولا اميّز بين الشيعة والشيوعية , ولا أفرّق بين حزب التحرير ومنظمة التحرير , ولا أعرف فرقا بين الإخوان المسلمين والصوفيين وشيوخ الأوقاف وجماعة الدعوة , لا أعرف شيئا عن أنظمة الحكم , وقوانين الانتخاب , وصلاحيات البرلمان , والحكومة , لا أفهم مصطلحات اليبرالية أو الديجتال أو السوق الحرّ ولا أنواع الملكيات والدساتير ولا أعرف فرقا بين إيدلوجيا وبيلوجيا وسيكلوجيا ...... نعم أنا لا أدري عماذا تتحدثون !! ولكنني أعرف ما أريد , فأسمعوا ماذا أريد :
أنا المزارع الذي خدع بشعارات وزارة الزراعة , المؤسسات , والهيئات المعنية بهذه الشؤون , فاستدنت , وحفرت بئرا , واستدنت البذور ومستلزمات الزراعة بضعف سعرها لأسددها بعد أقل من أربعة شهور ففوجئت بأنّ إنتاجي لا يغطي تكاليف العمال فأنهيت الموسم بدين بعشرة آلاف دينار , فكررت لعبة القمار تلك فأصبحت مدينا بعشرات الآلاف من الدنانير فبعت الأرض والبئر , ولم أجد حصيرة أجلس عليها , فلجأت للجان الطبية لأحصل على تقرير يثبت أنني معاق لأحصل على راتب هزيل من صندوق المعونة الوطنية , ولو لم أنكب فإنّ بئري ومزرعتي كانت كافية لإعاشة عشرات الأسر من المواطنين .
أنا صاحب الماشية الذي كان يكدّ ويكدح ليوفّر لأبناء الوطن لحما غير مهرمن , ولبنا غير مؤكسد , فكنت أبيع إنتاجي بنصف القيمة , ويحصل عليه المستهلك بضعفيها , صبرت وتحاملت على الجراح حتى سقطت فالتقيت مع المزارع على باب ذلك الصندوق إياه .
أنا التاجر الذي كان يعيش مستورا فهتكت ستره الضرائب والأجور والفواتير وارتفاع أسعار فتحوّل إلى \" كشيّش ذباب \" وآلت مهنته للدمار والخراب .
أنا المعلم الذي كان أسلافي في المهنة يعودون لبيوتهم بعد يوم عمل مرهق فينامون ساعتين , ثمّ يحضرون دروس الغد , ثمّ يطالع ساعة من زمان بكتاب نافع أو سف نفيس , ثمّ يسمر مع أبناء مجتمعه الذين يقفون له إجلالا فيتحدث بقضايا الأمّة والمجتمع , فأصبحت انتظر نهاية الدوام المرهق لأذهب للعمل سائقا على \" سرفيس \" أو أبيع خسيس المتاع على بسطة في شارع ؛ لأنّ راتبي يطير منذ خامس يوم من الشهر الجديد .
أنا الطالب الذي كان سلفي يذهب للمدرسة ليتربى ويتعلم , ويهتف من علمني حرفا كنت له عبدا فينهي المرحلة الأساسية وهو كاتب قارئ حاسب قرأ علاوة على منهاجه كتب طه حسين والرافعي والعقاد , وحفظ لشوقي وحافظ وعرار , وقرأ سلسلة عظماء الإسلام , وسلسلة أبطال العرب , وسلسلة وطني الكبير .... فأصبحت أذهب للمدرسة لتضييع الوقت والتحرّش بالمعلم ليضربني فأسجنه فأنهيت المرحلة الثانوية وأنا لا أحسن كتابة اسمي , ولا حساب مصروفي , ولا أعرف حدود وطني الصغير , ولم أسمع بوطني الكبير , ولم أسمع بعرار ولا وادي الشتا ولا وادي السير وقد أكون أنا الطالب النجيب الأريب الذي استهدفني معلمي وتآمر عليّ فكرهت العلم والتعليم ولم أكمل دراستي .
أنا المواطن الذي يبيت ليله يضرب أخماسا بأسداس , ويتقلب على فراشه كأنّه على جمر , وكأنما تلدغه العقارب لأنّه ينوي غدا مراجعة دائرة حكومية لإجراء معاملة ما , كلما أخذته أسنة من النوم جاءه شبح مرعب من موظف غليظ الوجه ينتهره قائلا المعاملة ناقصة إذهب لدائرة كذا أو هذه خلاف الأسس , وهو يعلم أنّ معاملة جاره المشابهة لمعاملته حدّ المطابقة لم تردّ بحجّة النقص أو مخالفة الأسس لأنّه يعرف موظفا أو مراسلا بتلك الدائرة أو سبقه هاتف ساخن من ذي كلمة نافذة .
أنا الطبيب الحكومي ذي الراتب المتدني الذي يراجعني في اليوم مئات المرضى فلا أتمكن من رؤوية المريض إلا بأقلّ من دقيقة فأتعرض للضرب والشتم والإهانة من ذويه , والمصيبة أنهم على حقّ وأنا على حقّ !!
أنا المواطن الذي أشغل سيارتي وأنا أحمل عشرة دنانير لأحضر علاجا لمريض أو سكرا وشايا وخبزا لأفراخٍ كأفراخ الحطئية فأشاهد دورية من مراقبي السير فأقرأ سورة ياسين والمعوذات , وأسير خلف شاحنة لتخفيني عنها فأنجو , وبعد مسافة عشرة كلم أتفاجأ بدورية أخرى فأذهل عن القراءة فأقع في المصيدة , فيدققون في السيارة فيجدون خطأ لا يذكر فأدفع العشرة دنانير صاغرا , وأعود بخفي حنين , هذا ما كان طيلة الأعوام الماضية , ولم يتغيّر هذا السلوك إلاّ بعد الإدارة الجديدة للأمن العام .
أنا المواطن الذي شاركت جاري أو قريبي بسيارة نقل ( شاحنة ) لنعتاش من انتاجها , فجمعنا \" تحويشة العمر , وحلي العجائز \" ودفعناها سلفة للبنك ليشتريها لنا بأرباح له تنوف على 35% من قيمتها , وندفع له كمبيالة شهرية ما بين الألف ونصفه , وأذهب متحمسا للعمل , وعندما أحسب الانتاج أجد أنني أدفع 40% منه محروقات , وبحدود 5% لمكاتب الصرف , و 3% إجراءات , و 25% للمتعهد الذي يشاركني في مالي وتعبي بواسطة أوراق حصل عليها من الجهات الرسمية وهو لا يملك ما يؤهله لهذه \"السلبطة \" فالسيارة سيارتي اشتريتها بحرّ مالي , وأعمل في وطني , ويصفي لي من أجور تلك النقلة بحدود 27% مترتبا عليها كمبيالة شهرية , وترخيص وتأمين سنويين , ومخالفات شبه أسبوعية , وقطع غيار , وكوتشوك , فماذا يبقى منها \" لأفراخ بذي مرخ ... زغب الحواصل بلا ماء ولا شجر \" ؟؟؟
أنا صاحب الماشية الذي تخصص لي الحكومة نسبة من الأعلاف المدعومة فأمضي عدّة أيام في الانتظار أمام مراكز الأعلاف متحملا الحرّ أو القرّ والزجر والنهر حتى أحصل على ما خصص لي , وهو لا يكفي إلاّ حوالي 30% من حاجتي الفعلية , وأشاهد بأمّ عيني حملة الكروت المزيفة التي تثبت أنهم يملكون آلاف الرؤوس من الغنم وهم ليس لديهم ثاغية ولا راغية , فيستقبلهم الموظف هاشّا باشّا , وفي أقلّ من نصف ساعة يأخذون تلك المخصصات ثم يبيعونها على أمثالي بأرباح تتجاوز 30% .... جرى ذلك طيلة العقود الثلاثة الماضية ولا يزال .
أنا المواطن الذي يعاني من فقدان الذاكرة بسبب نقص فيتامين( بي تولف ) الذي كنت استمده من حنطة البلقاء والربّة , فأصبح غذائي من القمح الأمريكي الذي فقد قيمته الغذائية , وأصبح مكانه الطبيعي محارق القمامة أو بطون البحار فأصبح بطني هو مكبّه ....
أنا المواطن الذي أعاني من الأمراض التي لم يعرفها أسلافي ليس بسبب فسادي الأخلاقي كما يقول المشايخ , ولكن بسبب الخضار المسرطنة , واللحوم المهرمنة ولعلّ أشهرها فضيحة الغنم الاسترالية التي يربونها للصوف , وبدل أن يتلفوها لأنّها ليست صالحة لغذاءعرف الكلاب استوردها الحيتان مجانا وربما مدفوعة أجور النقل ليعمل منها الشعب \" الكبسات \" والمقلوبة لأنّها لا تصلح للمناسف .
أنا المواطن الذي أحمل تأمينا صحيّا أدفع مقابله شهريا من راتبي فإذا مرضت , وراجعت عيادات الاختصاص ازددت مرضا بسبب المواعيد والدور والزجر والنهر , قد أكون أعاني من بداية مرض خطير , فيقتضي ذلك طلب صورة من الصور ذات التقنية المتقدمه التي لا أعرف اسمها لأنني لا أعرف إلاّ صورة الأشعة = صورة الفقراء , فأعطى موعدا بعد أربعة شهور , فربما استشرى المرض , وفي الشهر الثالث جاءت سكرة الموت بالحقّ فأصبحت أشاهد ما لا يشاهد من حولي , أشاهد أشباحا تقول بلسان عربي مبين : \" إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا \" فأحاول أن أقول لهم يا سادة لقد تغيرت الدنيا , وبدلت الأرض غير الأرض , فلم تعدّ أرض الله واسعة , فالأرض محكومة بحدود وسدود وقيود وجنود , والأقمار الصناعية تراقبنا ونحن في بيوتنا , إلاّ أنّ اللسان انعقد , وشخص البصر وحشرج الصدر , وصعدت الروح لبارئها, وبعد شهر تأتيني تلك الأشباح بقبري قائلة عليك نداء من أهل الدنيا , فأقول ممن ؟؟ فيقولون في مستشفى كذا يدعونك للدخول للتصوير !! فأقول أخبروهم بأنّ اللعبة قد انتهت !! هذا ما حصل معي أمّا جاري \" الزقرت \" فقد تعرّف على مراسل فقدّم له موعد التصوير من ستة شهور إلى ست ساعات فعمل الصورة فتبيّن أنّه تناول بعض المنشطات بإفراط فسببت له وعكة صحيّة عابرة .
أنا المواطن الضعيف الجسم الخائر القوى الذي تشاجر مع رجل قوي البنية فأوسعني لكما , وركلا , وصفعا , وألقاني أرضا , ودعس على عنقي , وفرك حذاءه على شاربي , فانطلقت منه هاربا للمركز الأمني صارخا مستغيثا , وعندما دخلت , وشكوت , طلبوا التحفظ عليّ , فاكتشفت أنّ ضاربي قد حصل على تقرير طبّي يشير إلى وجود كدمة في إبهام يده اليمنى عندما لطم بها وجهي القاسي وكدمة أخرى في إبهام قدمه عندما ركل بها ظهري المتصلب , ونام في مستشفى خاص فنمت في النظارة , وعندما دخلت على القاضي في موعد الجلسة قال : هل أصطلحتما ؟فقلت : لا , فحولني وإياه إلى السجن !! فصحت بالقاضي : سيدي أنا أصلحت وأسقطت حقي . فأبى ضاربي إلاّ أن أرسل له جاهة فأرسلت !!
أنا المواطن صاحب الحقّ الواضح وضوح الشمس ألجأ للمحاكم طلبا للانصاف فأمكث سنوات وسنوات ما بين جلسات ومماطلات ومرافعات واستئناف واستئناف مضادّ , ونفقات دعاوى وأتعاب محامين ومواصلات حتى أضطر لاسقاط حقّي أو المصالحة على جزء منه ..... وكان أبي في الماضي أيّ في زمن القضاء العشائري الهمجي المتخلف لايحتاج إلاّ إلى جلسة ساعتين على الأكثر عند قاض أميّ رث الهيئة فيحصل على حقّه كاملا بغضّ النظر عن مكانته الاجتماعية ومكانة خصمه .
أنا المواطن العامل , المنتمي , النافع لوطني , بما ينفع الوطن من زراعة أو تجارة أو تعليم أو رعاية ماشية , وأنا الذي أكرم الضيف , وأحمل الكلّ , وأغيث الملهوف وربما كان لي من المكانة في أوساط قومي ومجتمعي المحلي ما يعادل مكانة \" الهبر \" عند النور , إلاّ أنني لا أتقن فنون التزلف والنفاق , وبناء العلاقات مع المسؤولين والمتنفذين فإن أبتليت بضرورة ملحّة لمراجعة مسؤول بوفد أنا وقومي انطبق علينا قول الشاعر :
( قوم إذا قصدوا الملوك لمطلب ... نتفت شواربهم على الأبواب )
( من كل كهل تستطير سباله ... لونين بين انامل البواب )
تلك حال وفود قومي على الأبواب , وأمّا أنا فعزيز بني كليب الذي وصفه الأخطل قائلا :
وما يغدو عزيز بني كليبٍ . . . ليطلب حاجةً إلا بجار
ولو كان هذا الجار ( الواسطة ) من فئة الأحنف بن قيس أو حديثة الخريشا او راشد الخزاعي لما أنفت ولما تحسّرت ولما غضبت , ولو بنى علاقته مع المسؤولين بجليل الأعمال , وخدمة الأوطان , وبما سطّره في سجّل المكارم والفضائل لما رأيت غضاضة في توسيطه وتشفيعه ,ولكنّه في الأغلب دجاجة صقعاء , وخرنق حمقاء , وشاة رعناء لم تقدّمه المكارم , ولم يتحمّل المغارم ولم تذهب أمواله الحقوق , ولم يرفأ بها الفتوق , وأمثل سبلها عنده الصندوق أو الفسوق , وما هو إلاّ فلقس , فلنقس , فلاقس شكى من مثله السلف فقال
( أقلى عليّ اللوم يا ابنة مالك ... وذمى زمانا ساد فيه الفلاقس )
( وساع مع السلطان يسعى عليهم ... ومحترس من مثله وهو حارس )
وقال غيره :
( أَقِلِّي عَلَيَّ اللَّوْمَ يا بنَتَ مَالِكً ... وَذُمِّي زمَانَاً سَادَ فِيِه الحُمَارِسُ )
( فَسَاعٍ مَعَ السُّلطْانِ يَسْعى عَليْهمُ ... ومَحُتْرَس مِنْ مِثْلِهِ وَهوَ حَاِرسُ )
( وَكَمْ قَائِلٍ مَاَ بَالُ مِثلْكَ رَاجلا ... فَقُلْتُ لَهُ مِنْ أّجْلِ أَنَّكَ فَارسُ )
( إذا لم يَكُنْ صَدْرَ المجالِسِ سَيَّدٌ ... فَلا خَيْرَ فِيمَنْ صَدَّرَتْهُ المجَالِسُ ) .
أنا الشاب الذي بعد رحلة بحث عن العمل مضنية حصلت على عمل براتب مقداره مائتين وخمسين دينار , وبحاجة إلى بناء بيت من الطوب المغشوش الممكيج ببعض الأسمنت , ثمّ زواج وكلفة ذلك لن تقلّ عن عشرين ألف دينار , لذا فأنني بحاجة لتوفير مائتي دينار شهريا لمدّة عشرة أعوام لجمع هذا المبلغ مكتفيا بخمسين دينار شهريا لأكلي ومصروفي ولباسي .... إلخ ...... صابرا على الجوع والحرمان .
أنا المواطن الذي أبتلي بنجاح أبنائه في الثانوية العامة فذهبوا للجامعة وكلّ منهم بحاجة إلى مصروف شهري لا يقلّ عن مائة دينار وهو لا يتجاوز دخله الثلاثمائة دينار شهريا , ومعدّل أفراد أسرته سبعة أفراد هذا على فرض تغطية الرسوم الجامعية من قبل المؤسسات المعنية بهذه الشؤون .
أنا حفيد الشهيد الذي لبّى نداء الوطن صبيحة \" زفافه \" فعاد لعروسه جنازة , فعلقت منه بتلك الليلة , وحملت بأبي فأردت أن التحق بالجيش فأكتشفت أنّ الأمر بحاجة إلى واسطات وشفاعات .
أنا المتقاعد العسكري الذي أفنى زهرة عمره في خدمة الوطن فعاد براتب تقاعد لا يغطي 30% من حاجاته , فأضطر للبحث عن الحراسة على أبواب مؤسسات وشركات القطط السمان براتب تدفعه تلك المؤسسات لشركات الأمن والحماية فتعطيني بحدود النصف مما يدفع لها .
أنا المواطن الذي أضطر لبيع أرضه بأبخس الأثمان لتعليم الأبناء ومواكبة الحياة الحديثة فأصبح أبنائي لا يجدون مكانا يبنون فيه بيتا بل لولا المقابر العامّة لما وجدت لي قبر .
أنا المواطن الذي أبتلي بحادث سير فأدخل المستشفى وهو ينزف فيرفض المستشفى دخوله حتى يضع تأمينا لنفقات العلاج بحجّة أنّ التأمين الصحي لا يتحمل نفقات علاج حوادث السير , ويخشى ألاّ تلتزم شركات التأمين بالدفع , وربما أكون نفس المواطن الذي تدهورت سيارته بسبب الخلل في هندسة الطرق , وتلك المنعطفات الخطيرة التي مبرر لها .
أنا المواطن الذي تعاني مدرسة قريتي من نقص الغرف الصفية أو شوراعها من الحفر , فأطالب وأطرد , وألجأ للشخصيات النافذة , وأحصل على الموافقة التي تحفظ بالأدراج , ثمّ تذهب مخصصاتها كلّ عام إلى المحظوظين .
أنا المواطن الذي أعاني من العطش كلّ صيف إذ تذهب مخصصاتي من الماء لبرك سباحة وحدائق المحظوظين في العاصمة .
أنا المواطن الذي يعاني من انقطاع الكهرباء عند هبّة أول نسمة من منخفض جوي .
أنا المواطن الذي غيّرت المناخ , وجعلت حرارة كانون الثاني تعادل حرارة شهر حزيران لأنني أدعو الله صباح مساء , وبعد العشاء , وفي السحر والفجر بأن يحمي الوطن من زمهرير الشتاء لأنني لا أستطيع أن أشتري الكاز والغاز والسولار للتدفئة .
أنا المواطن الذي كلما حاول فتح باب للعيش أغلق في وجهه بفعل فاعل فالزراعة و تربية الماشية و التجارة و الصناعة و قطاع النقل جميعها ما بين ميت ومحتضر .
أنا المواطن الذي يؤمن إيمانا جازما كإيمانه بالله بأنّ الثروات الطبيعية للوطن لا يجوز أن يملكها إلاّ الوطن ممثلا بالدولة , ولا يجوز أن يملكها فرد أو شركة خاصّة ؛ لأنّها لو تعرضت للخطر فإنّ مدير عام الشركة وأعضاء مجلس إدارتها لن يستطيعوا حمايتها , وإنما يحميها جيش الوطن وأمن الوطن الذي هو أنا أو يتكون مني ومن أمثالي .
أتمنى إعادة الاعتبار للهيئات الاجتماعية كشيوخ العشائر , والوجهاء , والمخاتير على أن يتمّ اعتمادهم بناء على مواصفات وأسس موضوعية أساسها خدمة المجتمع تمنع الرويبضات من الحصول على مثل هذه اللألقاب الشريفة ؛ لأنّ السياسات السابقة وقعت بأخطاء فادحة في هذا المجال, فكان ذلك من أسباب ما يعاني منه المجتمع من انفلات أخلاقي , وعنف مجتمعي , ، فإنما الناس بأشرافهم وعلمائهم وذوي أسنانهم ، ولله درّ الأفوه الأودي حيث يقول :
والبيتُ لا يُبْتنى إلا له عَمَدٌ ... ولا عِمادَ إذا لمْ تُرْسَ أَوتادُ
فإن تجمَّع أوتادٌ وأَعمِدَةٌ ... وساكنٌ بلغوا الأَمْرَ الذين كادوا
لا يصلحُ الناسُ فوضى لا سَراةَ لهم ... ولا سَراةَ إذا جُهَّالُهم سادوا
تُهدى الأمور بأهلِ الرأي ما صلَحَتْ ... فإنْ تولَّت فبالأَشرارِ تَنْقادُ
إذا تولىَّ سراةُ القَوْمِ أَمْرَهُمُ ... نما على ذاكَ أَمْرُ القوم فازدادوا
ولنفس السبب أتمنى التعامل اللائق مع قادة العمل السياسي من رؤوساء أحزاب وقادة فروع وشعب , ومفكرين وعلماء وكتاب, ومثلهم القائمون على العمل الخيري التطوعي فهؤلاء الأصناف ومن سبقهم في البند التاسع هم قادة المجتمع وصنّاع الرأي العامّ , وحلقة الوصل بين القمّة والقاعدة أتمنى ذلك شريطة تحريم وتجريم سياسة المزايدات الكاذبة سواء كانت من قبل مؤسسات الحكم أو المعارضة أو المواطنين , ومنع مزايدة أيّ فئة على الأخرى في أيّ شأن داخلي أو خارجي .
أتمنى إنقاذ قطاع التعليم المدرسي والجامعي الذي تحوّل إلى مضيعة للوقت والمال فيما لا طائل منه , ومعالجة ظاهرة الأمية المقنّعة بشهادات من فئة (البكالوريوس الماجستير , الدكتوراة ) .
أتمنى تفجير طاقات المجتمع في العمل الخيري الجماعي التطوعي ودعمه وتشجيعه.
أتمنى أن أعيش في ظلّ دولة قانون أحصل فيها على حقّي بكرامة وسهولة ويسر .
يا معشر المتحدثين باسمي من رسميين أو حزبيين أو هيئويين أو مستقلين : هذه بعض همومي وآلامي وأسقامي ؛ لأنّ قائمة الأمثلة تطول وتطول فإن تركت للقلم العنان سودّت مئات الصفحات , فالأمر جلل , \" وأنا النذير العريان \" ولا أملك إلاّ أن أتمثل بقول نصر بن سيّار إلى بني أميّة عندما ظهرت \" المسودّة \" في خرسان , حيث يقول :
\" أرى خَلَلَ الرَّماد وَمِيضَ جمرٍ وأَحْرِِ بأن يكون له ضِرامُ \"
\" فإن النار بالعودين تُذْكَى وإنّ الحرب مبدؤها الكلام \"
\"فقلتُ من التعجّب ليت شعري أأيـــــقاظٌ أُميّــــــــةُ أم نِيامُ \"
أتدرون لماذا هذه الاستغاثة الحرّى , وتلك الصرخة الثكلى ؟؟ لأنّ النتيجة الموضوعية لهذه الحياة هي جيل من الشباب أغلقت أمامه جميع السبل , فهو جيل يائس بائس ناقم على الجميع , كافر بالجميع ؛ لأنّه يعيش واقعا مزريا من الفقر والبطالة , ويرى أنّه لا سبيل لبناء حياته , ولا وسيلة لتكوين نفسه , ولم تعدّ شعارات الوطنية , والأهازيج الحماسية , وفزّاعات ( المنعطفات الحادّة ) ( والاستهداف ) ( والوطن البديل ) تعني له شيئا , ولم تعد قصص المشايخ وأحاديثهم عن القدرية الغيبية وأن ما يجري هو قضاء مبرم , وقدر نافذ تعني له شيئا , ثمّ هو ينظر إلى أُلهيات الشباب من الهيئات والتجمعات وشعارات \"التنمية السياسية \" وغيرها نظرة لامبالاة واحتقار ؛ لأنّه بحاجة إلى تعليم جامعي , وإلى عمل يعتاش منه , وإلى بناء بيت وزواج وتكوين أسرة , وكلّ هذه المطالب الملحّة عزيزة المنال على الغالبية العظمى ......... إنّه كمريض يتمنى الموت من شدّة الألم .
يا معشر المتحدثين باسمي من رسميين أو حزبيين أو هيئويين أو مستقلين :
إنني أؤكد إلى حضراتكم أننا معشر البسطاء والأغلبية الصامتة من المواطنين لا تعنينا قصّة تشكيلة الحكومات من قريب ولا بعيد , ولا فرق عندنا بين وزير من حاضرة أو بادية إلاّ بما يقدمه للوطن من خدمات , ولايعنينا تعديل الدستور أو تعطيله أو تفعيله , ولا قانون الانتخاب ولا مكاسب الأحزاب , إننا فقط نبحث عن العدالة , وصيانة الحقوق , وحفظ الوطن من الأخطار , ومستعدون للتضحية بكثير من الحقوق والمصالح في سبيل الوطن وأمنه واستقراره شريطة أن نشاهد أنّ الحكومات جادّة في الإصلاح , محسنة لإدارة الموارد , فالناس لا يلومون الحكومة على ضعف الإمكانيات ولكنّ اللوم كلّ اللوم هو في عدم إحسان إدارة هذه الإمكانيات , والسخط كلّ السخط على السياسات المتعمدّة المكشوفة لتدمير الاقتصاد الوطني , ولا يذهبن بكم الوهم إلى أنّ هذا القول هو رأي شخصي فهذا الذي أقوله هو حديث الناس في مجالسهم وغرف نومهم ...... الناس يعتقدون اعتقادا جازما مصدره المشاهدة البصرية أنّ أزماتنا الاقتصادية والسياسية والاجتماعية هي نتيجة سياسات خاطئة , وإهمال متعمد وفساد مكشوف , وإدارة في غالبية المؤسسات لا يوجد عندها حسّ بالمسؤولية , وهذه الإدارة ساهمت ولا تزال تساهم في إخفاق الحكومات المتعاقبة ؛ لأنّ الوزير مهما بلغ من الكفاءة والإخلاص فإنّه لن يستطيع أن يفعل شيئا ما لم يكن لديه كادر صادق مخلص يتصف بصفتين اثنتين : الرغبة بالعطاء والقدرة على العطاء = القوي الأمين ...... إنّ الإدارة الأردنية بحاجة إلى عمليات جراحية عاجلة , ووضع أسس جديدة لانتقاء المديرين والأمناء العامين ورؤوساء الأقسام , والموظفين , ولا بدّ من حملة توعية لكبار الموظفين ليترفعوا عن سياسة إفشال بعضهم بعضا , وإفهامهم بأنّ السقف إن سقط _ لا سمح الله فإنّه سيسحق الجميع , وأنّ أمثالهم هم الخاسرون فعلا , أمّا نحن عامّة الناس البسطاء فليس لدينا ما نخسره



لـــ صحيفة نجد

الكاتب : فلاح اديهم المسلّم الصخري



بواسطة : صحيفة نجد
 2  0  3617
التعليقات ( 2 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    07-07-2011 07:23 مساءً محمد بدر الفايز :
    مشكور اخي فلاح على هذا الموضوع
  • #2
    18-06-2011 11:31 مساءً الشمري :
    تحياتي للكاتب الشيخ فلاح اديهم المسلم بني صخر فأنت علم من أعلام قبيلةبني صخر اشكرك على هذا المقال ونعم بلابتك يا ابن فليح

جديد المقالات

بواسطة : نجد

شهد الحج مختلف الأجناس والألوان والثقافات،...


بواسطة : نجد

استحوذت الأزمة التي تسببت فيها الشقيقة قطر...


بواسطة : نجد

انتهت قمم الرياض بعد أن أبهرت العالم أجمع...


بواسطة : نجد

غالباً ماتدفعنا مشاعرنا لعمل أي شئ. وهي...


بواسطة : صحيـفة نـجد

الإصلاح سلوك حضاري سامي رغَبت فيه الشريعة...


بواسطة : صحيـفة نـجد

شاهدنا وقراءنا التنظير والتحليل لشخصية رئيس...


تغريدات صحيفة نجد بتويتر