• ×
صحيفة نجد

طبائع الإستبداد ومصارع الإستعباد

صحيفة نجد

 0  0  3355
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
\" طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد \"

بقلم الكاتب والمؤرخ / فلاح أديهم المسلم الصخري


\" طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد \" عنوان لكتاب طبع قبل أكثر من مائة وعشرة أعوام , مؤلفه كان ملء السمع والبصر , وأشهر من نار على علم في أوساط الساسة والمفكّرين والمثقفين والأدباء ثمّ تلاشى واندثر وأصبح نكرة ,ولا أستبعد أن يكون 90% من حملة الشهادات الجامعية من شبابنا وكهولنا لم يسمعوا به .
مؤلف الكتاب هو عبد الرحمن الكواكبي المولود عام 1854م , والمتوفى في القاهرة عام 1902م متأثرا بسمّ دسّ له في فنجان كما جرت عادت الاغتيال في ذلك الزمن , ودفن في القاهرة , وكتب على قبره بيتين لحافظ إبراهيم :
هنا رجل الدنيا هنا مهبط التقى هنا خير مظلوم هنا خير كاتب
قفوا وأقرأوا \" أمّ القرى \" وسلّموا عليه فهذا قبر الكواكبي.
مضى على تأليف الكتاب كما قلت أكثر من مائة وعشرة أعوام ومضى على استشهاد كاتبه مائة وتسعة أعوام قرأت هذا الكتاب عندما كنت طالبا في النصف الأول من عقد ثمانينات العشرين ولولا معرفتي بتاريخ تأليفه لظننته مؤلف جديد يتحدث عن حال المجتمعات العربية في ثمانينات القرن العشرين , ثمّ أعدت قراءته عام 1999م فلولا ما سبق من علمي به لظننت أنّه يتحدّث عن حال المجتمعات الشرقية في نهاية الألفية الثانية , وتصفحته هذه الأيام فرأيته يتحدّث عن حال العرب بعد أن قطعوا عقدا من الألفية الثالثة , وأخشى أن أقرأه بعد عشرة أعوام إن قدّر لي دركها فأجده جديدا كما كنت أجده كلّ مرّة .
لقد وقفت محتارا أمام هذا السفر الجليل فأردت أن أشرك المهتمين بالشؤون العامّة معي في هذه الحيرة , وخاصّة في هذا الظرف التاريخي المضطرب الذي سيترتب عليه مستقبل أكثر من أربعة أجيال من الشعب العربي والأمّة الإسلامية ولست طامعا باشراك طلبة \"الوجبات الثقافية السريعة الخفيفة \" في هذه الحيرة لأنّ هذا الصنف من القرّاء والناشطين سياسيا هم المصممون من حيث لا يشعرون لخدمة المشروع الاستعماري الجديد الذي تفنن في استعباد البشر فحولهم إلى عمّال لاهثين في خدمة \" رأس المال \" المتأله يفضلون الوجبات السريعة لئلا تعيقهم عن مزيد من الانتاج لنيل مزيد من الفتات لتغطية ما فتحت عليهم الرأسمالية المتوحشة المؤدلجة من أبواب استهلاك لا حدود لها , ثمّ تفنن سدنتها بتدجين العقل البشري ليكون زاده الثقافي \" بلاغات موجزة \" للتنفيذ دونما التفات لبحث جذورها ومدى انسجامها مع بعضها أو انسجامها مع واقع الحياة اللائقة بالإنسان المستخلف في الأرض .
لا أكتب لهذا الصنف من القرّاء وإن كنت أحذّر شبابنا من خطورة هذا المسلك الذي يؤدي إلى قتل العقول حيث يحوّل أصحابها إلى مجرد رعاع غوغاء ينخدعون بكل بريق كاذب , ويميلون مع كلّ ريح , ويقعون ضحية لأكاذيب الدجاجلة والمهرجلين من أمثال إحدى الفضائيات التي اتخذّت اسما مقدّسا عند العقلاء وأهل النظر فمسخته بما تبثّه من متناقضات كأنّها تنفذ عمدا \"سياسة الفوضى الخلاّقة \" .
أعتذر عن هذا الاستطراد الضروري , وأعود لما بدأت به من حديث عن كتاب الكواكبي \" طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد \" حيث نجد أنّ الكاتب يحدثنا بأنّه اكتشف السرّ الحقيقي لانحطاط الشرق , وإنّ كلّ ما نشاهده من مظاهر الانحطاط في جميع مجالات الحياة وشؤونها إنما هو مجرد نتائج لذلك السبب , فما هو ذلك السبب الخطير ؟؟ لنستمع إلى الكاتب حيث يجيب على هذا السؤال قائلا : (( فوجدتُ أفكار سراة القوم في مصر كما هي في سائر الشّرق خائضةٌ عباب البحث في المسألة الكبرى، أعني المسألة الاجتماعية في الشّرق عموماً وفي المسلمين خصوصاً، إنما هم كسائر الباحثين، كلّ ٌ يذهب مذهباً في سبب الانحطاط وفي ما هو الدواء. وحيثُ إني قد تمحّص عندي أنّ أصل الدّاء هو الاستبداد السّياسي ودواؤه دفعه بالشّورى الدّستورية. وقد استقرَََََّ فكري على ذلك ـكما أنّ لكُلّ نبأ مستقراًـ بعد بحث ثلاثين عاماً... بحثاً أظنّهُ يكاد يشمل كلّ ما يخطرُ على البال من سبب يتوهّمُ فيه الباحث عند النظرةِ الأولى، أنهُ ظفر بأصل الدّاء أو بأهمّ أصوله، ولكنْ؛ لا يلبث أنْ يكشف له التّدقيق أنّه لم يظفر بشيء، أو أنّ ذلك فرعٌ لا أصل، أو هو نتيجة لا وسيلة .
فالقائلُ مثلاً: إنّ أصل الدّاء التّهاون في الدّين، لا يلبث أنْ يقف حائراً عندما يسأل نفسه لماذا تهاون النّاس في الدّين؟ والقائل: إنّ الدّاء اختلاف الآراء، يقف مبهوتاً عند تعليل سبب الاختلاف. فإن قال: سببه الجهل، يَشْكُلُ عليه وجود الاختلاف بين العلماء بصورة أقوى وأشدّ... وهكذا؛ يجد نفسه في حلقة مُفرغة لا مبدأ لها، فيرجع إلى القول: هذا ما يريده الله بخلقه، غير مكترث بمنازعة عقله ودينه له بأنّ الله حكيمٌ عادلٌ رحيمٌ...
وإنّي، إراحةً لفكر المطالعين، أعدّد لهم المباحث التي طالما أتعبتُ نفسي في تحليلها، وخاطرتُ حتّى بحياتي في درسها وتدقيقها، وبذلك يعلمون أنّي ما وافقتُ على الرّأي القائل بأنّ أصل الدّاء هو الاستبداد السّياسي إلا بعد عناءٍ طويل يرجحُ أني قد أصبتُ الغرض. وأرجو الله أنْ يجعل حُسنَ نيَّتي شفيع سيئاتي ، وهاهي المباحث: ))
يهدي هذا الكتاب للشباب فيقول \" وجعلته هديةً مني للنّاشئة العربية المباركة الأبية المعقودة آمال الأمة بيُمْنِ نواصيهم. ولا غروَ، فلا شباب إلا بالشباب \"...ثم يبين مقاصده من هذا الكتاب فيقول : ((وأنا لا أقصد في مباحثي ظالماً بعينه ولا حكومةً وأمَّة مخصصة، وإنما أردتُ بيان طبائع الاستبداد وما يفعل، وتشخيص مصارع الاستعباد وما يقضيه ويمضيه على ذويه... ولي هناك قصدٌ آخر؛ وهو التنبيه لمورد الداء الدّفين، عسى أن يعرف الذين قضوا نحبهم، أنهم هم المتسببون لما حلَّ بهم، فلا يعتبون على الأغيار ولا على الأقدار، إنما يعتبون على الجهل وفَقْدِ الهمم والتّواكل.. وعسى الذين فيهم بقية رمقٍ من الحياة يستدركون شأنهم قبل الممات...))
ومما جاء فيه :
«المستبدّ: يودُّ أنْ تكون رعيته كالغنم درّاً وطاعةً، وكالكلاب تذلُّلاً وتملُّقاً، وعلى الرَّعية أنْ تكون كالخيل إنْ خُدِمَت خَدمتْ، وإنْ ضُرِبت شَرست، وعليها أن تكون كالصقور لا تُلاعب ولا يُستأثر عليها بالصّيد كلِّه، خلافاً للكلاب التي لا فرق عندها أَطُعِمت أو حُرِمت حتَّى من العظام. نعم؛ على الرّعية أن تعرف مقامها: هل خُلِقت خادمة لحاكمها، تطيعه إنْ عدل أو جار، وخُلق هو ليحكمها كيف شاء بعدل أو اعتساف؟ أم هي جاءت به ليخدمها لا يستخدمها؟.. والرَّعية العاقلة تقيَّد وحش الاستبداد بزمام تستميت دون بقائه في يدها؛ لتأمن من بطشه، فإن شمخ هزَّت به الزّمام وإنْ صال ربطتْه».
وتحت عنوان [الاستبداد والعلم ] يقول : ((ما أشبه المستبدَّ في نسبته إلى رعيته بالوصيّ الخائن القوي، يتصرّف في أموال الأيتام وأنفسهم كما يهوى ما داموا ضعافاً قاصرين؛ فكما أنّه ليس من صالح الوصيّ أن يبلغ الأيتام رشدهم، كذلك ليس من غرض المستبدّ أن تتنوّر الرعية بالعلم )) . ويضيف قائلا : (( لا يخفى على المستبدّ، مهما كان غبياً، أنْ لا استعباد ولا اعتساف إلا مادامت الرّعية حمقاء تخبط في ظلامة جهل وتيه عماء، فلو كان المستبدُّ طيراً لكان خفّاشاً يصطاد هوام العوام في ظلام الجهل، ولو كان وحشاً لكان ابن آوى يتلقّف دواجن الحواضر في غشاء الليل، ولكنّه هو الإنسان يصيد عالِمَه جاهلُهُ.
ثمّ يبين ماهي العلوم التي يخشاها المستبد فيقول : (( ترتعد فرائص المستبدُّ من علوم الحياة مثل الحكمة النظرية، والفلسفة العقلية، وحقوق الأمم وطبائع الاجتماع، والسياسة المدنية، والتاريخ المفصّل، والخطابة الأدبية، ونحو ذلك من العلوم التي تُكبر النفوس، وتوسّع العقول، وتعرّف الإنسان ما هي حقوقه , وكم هو مغبون فيها، وكيف الطلب، وكيف النّوال، وكيف الحفظ. وأخوف ما يخاف المستبدّ من أصحاب هذه العلوم، المندفعين منهم لتعليم النّاس الخطابة أو الكتابة وهم المعبَّر عنهم في القرآن بالصالحين والمصلحين في نحو قوله تعالى: )أنّ الأرض يرثها عباديَ الصالحون( وفي قوله: )وما كان ربُّك ليهلك القرى بظلمٍ وأهلها مصلحون(، وإنْ كان علماء الاستبداد يفسِّرون مادة الصلاح والإصلاح بكثرة التعبُّد كما حوّلوا معنى مادة الفساد والإفساد: من تخريب نظام الله إلى التشويش على المستبدين.
والخلاصة: أنَّ المستبدّ يخاف من هؤلاء العاملين الراشدين المرشدين، لا من العلماء المنافقين أو الذين حفر رؤوسهم محفوظاتٌ كثيرة كأنّها مكتبات مقفلة! ))
ثمّ يمضي الكاتب بأسلوبه المبهر العذب المنير للعقول الملهب للمشاعر _ متحدثا تحت العناوين التالية: [ الاستبداد والدين ] , [ الاستبداد والعلم ] [ الاستبداد والمجد] [ الاستبداد والمال ] [ الاستبداد والأخلاق ] [ الاستبداد والتربية ] [ الاستبداد والترقي ] [ الاستبداد والتخلص منه ] .
ويختم الكتاب متحدثا عن المواطن في ظلّ الحكومات العادلة فيقول : ((قد بلغ الترقّي في الاستقلال الشخصي في ظلال الحكومات العادلة، لأنْ يعيش الإنسان المعيشة التي تشبه في بعض الوجوه ما وعدته الأديان لأهل السعادة في الجنان. حتى إنَّ كلًّ فردٍ يعيش كأنه خالدٌ بقومه ووطنه، وكأنه أمينٌ على كلِّ مطلب، فلا هو يكلِّف الحكومة شططاً ولا هي تهمله استحقاراً:
1- أمينٌ على السلامة في جسمه وحياته بحراسة الحكومة التي لا تغفل عن محافظته بكلِّ قوتها في حضره وسفره بدون أن يشعر بثقل قيامها عليه، فهي تحيط به إحاطة الهواء، لا إحاطة السور يلطمه كيفما التفت أو سار.
2- أمينٌ على الملذَّات الجسمية والفكرية باعتناء الحكومة في الشؤون العامة، المتعلِّقة بالترويضات الجسمية والنظرية والعقلية حتى يرى أنَّ الطرقات المسهلة، والتزيينات البلدية، والمتنزهات، والمنتديات، والمدارس، والمجامع، ونحو ذلك، قد وُجِدت كلُّها لأجل ملذّاته، ويعتبر مشاركة الناس له فيها لأجل إحسانه، فهو بهذا النظر والاعتبار لا ينقص عن أغنى الناس سعادةً.
3- أمينٌ على الحرية، كأنَّه خُلِق وحده على سطح هذه الأرض، فلا يعارضه معارض فيما يخصُّ شخصه من دينٍ وفكرٍ وعملٍ وأمل.
4- أمينٌ على النفوذ، كأنَّه سلطانٌ عزيز، فلا ممانع له ولا معاكس في تنفيذ مقاصده النافعة في الأمة التي هو منها.
5- أمينٌ على المزيّة، كأنَّه في أمَّةٍ يساوي جميع أفرادها منزلةً وشرفاً وقوةً، فلا يفضل هو على أحد ولا يفضل أحدٌ عليه، إلا بمزيّة سلطان الفضيلة فقط.
6- أمينٌ على العدل، كأنَّه القابض على ميزان الحقوق، فلا يخاف تطفيفاً، وهو المثمّن فلا يحذر بخساً، وهو المطمئن على أنَّه إذا استحقَّ أن يكون ملكاً صار ملكاً، وإذا جنى جنايةً نال جزاءه لا محالة.
7- أمينٌ على المال والملك، كأنَّ ما أحرزه بوجهه المشروع قليلاً كان أو كثيراً، قد خلقه الله لأجله فلا يخاف عليه، كما أنَّه تقلع عينه إنْ نظر إلى مال غيره.
8- أمينٌ على الشرف بضمان القانون، بنصرة الأمة، ببذل الدم، فلا يرى تحقيراً إلا لدى وجدانه، ولا يعرف طعماً لمرارة الذُلِّ والهوان.))
ثمّ ينتقل للحديث عن المواطن في دولة الاستبداد فيقول : ((أما الأسير ولا أُحزن المطالع بوصف حالته- فأكتفي بالقول: إنَّه لا يملك ولا نفسه، وغير أمينٍ حتى على عظامه في رمسه، إذا وقع نظره على المستبدِّ أو أحد من جماعته على كثرتهم يتعوَّذ بالله، وإذا مرَّ من قرب إحدى دوائر حكومته أسرع وهو يكرر قوله: «حمايتك يا ربّ، إنَّ هذا الدار، بئس الدار، هي كالمجزرة كلُّ من فيها إما ذابح أو مذبوح. إنَّ هذه الدار كالكنيف لا يدخله إلا المضطر».
ويستمر مقارنا بين حياة وحياة : حياة الأحرار وحياة العبيد , وأثر ذلك على الروابط الاجتماعية فيقول : (( وقد يبلغ الترقّي في الاستقلال الشخصي مع التركيب بالعائلة والعشيرة، أن يعيش الإنسان معتبراً نفسه من وجه غنياً عن العالمين، ومن وجه عضواً حقيقياً من جسمٍ حيٍّ هو العائلة، ثمَّ الأمَّة، ثمَّ البشر.
ويُنظر إلى انقسام البشر إلى أمم، ثم إلى عائلات، ثم إلى أفراد، وهو من قبيل انقسام الممالك إلى مدنٍ، وهي إلى بيوت، وهي إلى مرافق، وكما أنَّه لا بدَّ لكلِّ مرفقٍ من وظيفةٍ معينة يصلح لها وإلا كان بناؤه عبثاً يستحقُّ الهدم، كذلك أفراد الإنسان لا بدَّ أن يعدَّ كلٌّ منهم نفسه لوظيفة في قيام حياة عائلته أولاً، ثمَّ حياة قومه ثانياً.
ولهذا يكون العضو الذي لا يصلح لوظيفة، أو لا يقوم بما يصلح له، حقيراً مهاناً. وكلُّ من يريد أن يعيش كَلاًّ على غيره، لا عن عجزٍ طبيعيٍّ، يستحقُّ الموت لا الشفقة، لأنهَّ كالدَّرن في الجسم أو كالزائد من الظُّفر يستحقان الإخراج والقطع، ولهذا المعنى حرَّمت الشرائع السماوية الملاهي التي ليس فيها ترويض، والسُّكر المعطِّل عن العمل عقلاً وجسماً، والمقامرة والرِّبا لأنهما ليسا من نوع العمل والتبادل فيه. وقد فضَّل الله الكنَّاس على الحجَّام وصانع الخبز على ناظم الشِّعر؛ لأنَّ صنعتهما أنفع للجمهور.
وقد يبلغ ترقّي التركيب في الأمم درجة أنْ يصير كلُّ فردٍ من الأمَّة مالكاً لنفسه تماماً، ومملوكاً لقومه تماماً. فالأمَّة التي يكون كلُّ فردٍ منها مستعداً لافتدائها بروحه وبماله، تصير تلك الأمَّة بحجَّة هذا الاستعداد في الأفراد، غنية عن أرواحهم وأموالهم.
الترقّي في القوة بالعلم والمال يتميَّز على باقي أنواع الترقّيات السالفة البيان تميُّز الرأس على باقي أعضاء الجسم، فكما أنَّ الرأس بإحرازه مركزية العقل، ومركزية أكثر الحواس، تميّز على باقي الأعضاء واستخدمها في حاجاته، فكذلك الحكومات المنتظمة يترقّى أفرادها ومجموعها في العلم والثروة، فيكون لهم سلطانٌ طبيعي على الأفراد أو الأمم التي انحطَّ بها الاستبداد المشؤوم إلى حضيض الجهل والفقر.
بقي علينا بحث الترقّي في الكمالات بالخصال والأثرة، وبحث الترقّي الذي يتعلق بالروح؛ أي بما وراء هذه الحياة، ويرقى إليه الإنسان على سُلَّم الرَّحمة والحسنات، فهذه أبحاث طويلة الذيل، ومنابعها حكميات الكتب السماوية ومدوِّنات الأخلاق، وتراجم مشاهير الأمم.
وأكتفي بالقول في هذا النوع: إنَّه يبلغ بالإنسان مرتبة أن لا يرى لحياته أهمية إلا بعد درجات، فيهُّمه أملاً: حياة أمّتِه، ثمَّ امتلاك حريته، ثمَّ أمنه على شرفه، ثمَّ محافظته على عائلته، ثمَّ وقايته حياته، ثمَّ ماله، ثمَّ، وثمَّ... وقد تشمل إحساساته عالم الإنسانية كلِّه، كأنَّ قومه البشر لا قبيلته، ووطنه الأرض لا بلده، ومسكنه؛ حيث يجد راحته، لا يتقيَّد بجدران بيت مخصوص يستتر فيه ويفتخر به كما هو شأن الأُسراء.
وقد يترفَّع الإنسان عن الإمارة لما فيها من معنى الكبر، وعن التِّجارة لما فيها من التمويه والتبذُّل، فيرى الشرف في المحراث، ثمَّ المطرقة، ثمَّ القلم، ويرى اللذَّة في التجديد والاختراع، لا في المحافظة على العتيق، كأنَّ له وظيفة في ترقّي مجموع البشر.
وخلاصة القول: إنَّ الأمم التي يُسعدها جدُّها لتبديد استبدادها، تنال من الشَّرف الحسّي والمعنوي ما لا يخطر على فكر أُسراء الاستبداد. فهذه بلجيكا أبطلت التكاليف الأميرية برمَّتها، مكتفيةً في نفقاتها بنماء فوائد بنك الحكومة. وهذه سويسرا يصادفها كثيراً أن لا يوجد في سجونها محبوسٌ واحد. وهذه أمريكا أثرت حتى كادت تخرج الفضة من مقام النقد إلى مقام المتاع. وهذه اليابان أصبحت تستنزف قناطير الذهب من أوربا وأمريكا ثمن امتيازات اختراعاتها وطبع تراجم مؤلَّفاتها.
وقد تنال تلك الأمم حظّاً من الملذَّات الحقيقية، التي لا تخطر على فكر الأُسراء، كلذَّة العلم وتعليمه، ولذَّة المجد والحماية، ولذَّة الإثراء والبذل، ولذَّة إحراز الاحترام في القلوب، ولذَّة نفوذ الرأي الصائب، ولذَّة الحبِّ الطاهر، إلى غير هذه الملذَّات الروحية. وأمَّا الأسراء والجهلاء فملذَّاتهم مقصورة على مشاركة الوحوش الضارية في المطاعم والمشارب واستفراغ الشهوة، كأنَّ أجسامهم ظروف تُملأ وتُفرغ، أو هي دمامل تولد الصديد وتدفعه.
وأنفع ما بلغه الترقّي في البشر؛ هو إحكامهم أصول الحكومات المنتظمة ببنائهم سدّاً متيناً في وجه الاستبداد، والاستبداد جرثومة كلِّ فساد، وبجعلهم ألاّ قوة ولا نفوذ فوق قوة الشَّرع، والشَّرع هو حبل الله المتين. وبجعلهم قوَّة التشريع في يد الأمَّة، والأمَّة لا تجتمع على ضلال. وبجعلهم المحاكم تحاكم السُّلطان والصُّعلوك على السَّواء، فتحاكي في عدالتها الكبرى الإلهية. وبجعلهم العمال لا سبيل لهم على تعدّي حدود وظائفهم، كأنهم ملائكة لا يعصون أمراً، وبجعلهم الأمَّة يقظة ساهرة على مراقبة سير حكومتها، لا تغفل طرفة عين، كما أنَّ الله عزَّ وجلّ- لا يغفل عمَّا يفعل الظالمون.
هذا مبلغ الترقّي الذي وصلت إليه الأمم منذ عُرِف التاريخ، على أنَّه لم يقم دليل إلى الآن على ترقّي البشر في السعادة الحيوية عمّا كانوا عليه في العصور الخالية حتى الحجرية، حتّى منذ كانوا عراةً يسرحون أسراباً، والآثار المشهودة لا تدلُّ على أكثر من ترقّي العلم والعمران؛ وهما آلتان كما يصلحان للإسعاد، يصلحان للإشقاء، وترقِّيها هو من سُنَّة الكون التي أرادها الله تعالى لهذه الأرض وبنيها، ووصف لنا ما سيبلغ إليه ترقّي زينتها واقتدار أهلها بقوله عزَّ شأنه: )حتى إذا أخذت الأرض زُخرفها وازَّينت وظنَّ أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لم تَغْنَ بالأمس(. وهذا يدلُّ على أنَّ الدنيا وبنيها لم يزالا في مقتبل الترقّي، ولا يعارض هذا أنَّ ما مضى من عمرها هو أكثر مما بقي حسبما أخبرت به الكتب السماوية، لأنَّ العمر شيء، والترقّي شيءٌ آخر..... ))
ثم يختمه بفصل مركّز تحت عنوان [ الاستبداد والتخلص منه ] في خمسة وعشرين مبحثا , وكلّ مبحث هو عبارة عن أسئلة لتحريك العقول للتفكير والمبادرة
كلّ ما اقتبسته من ذلك الكتاب لا يغني عن دراسته دراسة عميقة ناقدة ففيه تنوير للعقول وتفتيح للعيون , وتوسيعا للمدارك , وإن كان لا يخلو من هنات وهنات كأيّ عمل بشري لا يسلم من النقص , فأنصح المهتمين بالشؤون العامّة بقرائته واقتنائه ويجب الأ يغيب عن ذهن القارئ أنّ الكتاب ألّف قبل أكثر من مائة عام فيجب مراعاة الظروف التي كانت تحكم طروحات الكاتب الذي كان يعيش في ظلّ دولة مترامية الأطراف ذات إرث متراكم ثقيل .
الكتاب موجود في الأسواق , ونشرته دار الكتاب العربي بيروت عام 1991م وموجود أيضا على النت.




خـــاص لــ / صحيفة نجد الاخبارية

الكاتب والمؤرخ الاردني / فلاح اديهم الجبور



بواسطة : صحيفة نجد
 0  0  3355
التعليقات ( 0 )

جديد المقالات

بواسطة : نجد

شهد الحج مختلف الأجناس والألوان والثقافات،...


بواسطة : نجد

استحوذت الأزمة التي تسببت فيها الشقيقة قطر...


بواسطة : نجد

انتهت قمم الرياض بعد أن أبهرت العالم أجمع...


بواسطة : نجد

غالباً ماتدفعنا مشاعرنا لعمل أي شئ. وهي...


بواسطة : صحيـفة نـجد

الإصلاح سلوك حضاري سامي رغَبت فيه الشريعة...


بواسطة : صحيـفة نـجد

شاهدنا وقراءنا التنظير والتحليل لشخصية رئيس...


تغريدات صحيفة نجد بتويتر